"الفصل الخامس"
اليوم هو يوم ميلادي ، تاريخ اليوم هو
2018 / أغسطس / 18
الساعة الآن 12:00 منتصف الليل. جلست على حافة سريري، أنظر إلى النافذة المظلمة، والبرد يزحف إلى أطرافي. منذ سنوات وأنا أعدّ الأيام، الليالي، اللحظات، حتى أصل إلى هذا العمر: الثامنة عشرة. ليس لأنه يوم سعيد، بل لأنه اليوم الذي قررت فيه أن أختار مصيري، إما أن أموت مثل أختي، أو أهرب قبل أن يحوّلني أبي إلى ذكرى أخرى ملوثة بالدم. همست مع نفسي: "لن أكون الضحية التالية." قلبي يخفق بقوة، وكأن كل نبضة تحفر في داخلي قرارًا لا عودة عنه.
سمعت وقع خطوات ثقيلة في الممر خارج غرفتي. الخدم يتهامسون، لكني أعرف الحقيقة: أبي ينتظر هذه اللحظة. لقد أخبرني بعينيه، من قبل سنوات، أن دوري سيأتي حين أبلغ الثامنة عشرة. الساعة الآن 12:01، وأنا لا أملك سوى دقائق قبل أن يفتح الباب ويجدني. اقتربت من النافذة، لمست زجاجها البارد، ورأيت انعكاس وجهي الشاحب. همست لأختي الراحلة، وكأنها تسمعني من خلف النهر: "تاليا… سأهرب الليلة، لأجلك." رفعت التنورة الطويلة عن ساقي، تسلقت حافة النافذة، ورحت أبحث في الظلام عن أول خطوة نحو الحرية.
لكن الباب انفتح فجأة. سمعت صوت أبي، غليظًا، مشبعًا بالدمار: "أريانا… جاء وقتك." في يده المشرط، يلمع بنفس اللمعة التي طاردتني في كوابيسي. الساعة كانت 12:03. ارتجفت، لكن قدماي تحركتا وحدهما. قفزت من النافذة، سقطت على الأرض الرطبة تحت شجرة قديمة. صرخة أبي مزقت الليل: "أمسكوها!". فجأة، ظهر الحراس من الظلال، سكاكينهم تتلألأ، وبنادقهم جاهزة. قلبي كاد يتوقف، لكن الخوف تحول إلى قوة. ركضت بكل طاقتي.
الريح تصفع وجهي، الأرض موحلة، وأصواتهم خلفي تقترب. شعرت بأنفاسي تكاد تنقطع، لكني لم أتوقف. سهام انطلقت من خلفي، اخترقت الهواء بجانب كتفي، كادت تصيبني. سمعت طلقة رصاص تصم أذني، ارتطمت بالشجرة التي احتميت خلفها. صرخت روحي: "اركضي، أريانا، لا تتوقفي." انحنيت بين الجذوع، أزحف بين الأغصان، وأبحث عن أي طريق يقودني بعيدًا عن ذلك الجحيم.
الظلام كان ثقيلاً، كأنه يحاول ابتلاعي، لكن الغابة أعطتني غطاءً. الساعة الآن 12:20. كنت أركض بلا توقف، ملابسي تمزقت، ساقاي تنزفان من الأشواك. سمعت صرخة أبي من بعيد: "لن تهربي مني… لن تبتعدي!" لكن صوته بدا غاضبًا أكثر مما هو واثق. كلما ابتعدت، كلما شعرت بالمسافة تنمو بيني وبينه، بين الموت والحياة. وقفت لحظة ألتقط أنفاسي، ثم سمعت صرير فروع مكسورة خلفي، فاندفعت من جديد.
بدأ التعب ينهش جسدي. أصبحت الساعة 01:15 بعد منتصف الليل. تاهت خطواتي بين الأشجار، لكنني كنت أسمع كل حركة: وقع أقدامهم، صفير السهام، صوت الرصاص يخترق الهواء. ركضت نحو جدول ماء صغير، انحنيت وغسلت وجهي، لكن لم أجرؤ على الشرب. الوقت ليس للشبع ولا للراحة، بل للبقاء. نظرت إلى انعكاسي في الماء، وقلت بصوت خافت: "لن أكون الضحية… لن أكونها."
الليل امتدّ بلا رحمة. الساعة الآن 03:30. أصوات الحراس تفرقت، بعضهم عاد، بعضهم ضاع في الغابة، لكنني واصلت الركض. استخدمت الظلام لصالح نفسي، أختبئ وراء جذوع الأشجار، أزحف بين الحشائش، وأتوقف كلما شعرت بخطر يقترب. أصابعي ترتجف، لكن داخلي يشتعل غضبًا. أبي لم يعد مجرد وحش، بل صار لعنة تطاردني. كل خطوة أبتعد فيها، أشعر أنني أدفن تلك اللعنة تحت قدمي.
الساعة 05:00 فجرًا. السماء بدأت تفتح عينيها على خيط ضوء باهت. كنت مرهقة، لكن نور الفجر أعطاني أملًا. اختبأت خلف صخرة كبيرة، راقبت المكان. لم أرَ أحدًا خلفي. لأول مرة منذ ساعات، شعرت بأنفاسي لا تلاحقني. لكن الخوف لم يتركني. كل ورقة تتحرك في الغابة كنت أظنها سهمًا، وكل ظل كنت أراه كأنه أبي بنفسه. شددت قبضتي على صدري، وقلت: "سأصمد، فقط حتى يشرق النهار."
الساعة 06:40. مع أول شعاع شمس اخترق الغابة، ظهرت أمامي لوحة لم أتوقعها: قرية صغيرة عند سفح جبل بعيد. دخان يتصاعد من مداخنها، أصوات خافتة لطيور الصباح، ووجوه لم ترَ الدماء التي رأيتها. وقفت على تلة صغيرة، أنظر إليها بعيون ممتلئة دموعًا. كانت القرية تبدو مثل حلم، مثل حياة لم أعشها من قبل. جسدي المنهك أراد أن ينهار، لكن قدميّ قادتا نفسي نحوها.
الساعة 07:00 صباحًا. وصلت إلى مشارف القرية، والشمس تصب ذهبها على البيوت الخشبية. جلست على الأرض، أنظر إلى السماء، أتنفس للمرة الأولى هواءً لا يحمل رائحة الدم. خلفي، في مكان بعيد جدًا، ما زال أبي يصرخ في الظلام، يبحث عني، لكني الآن بعيدة عنه، ولو للحظة. تمسحت بيدي بتراب الأرض، وقلت بصوت مرتجف: "اليوم بدأت حياتي الجديدة… اليوم ولدت من جديد."